الغزالي
328
مكاشفة القلوب المقرب إلى علام الغيوب
المنافقين . قال : فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ « 1 » فسمّاهم المصلين ، وسمّى المؤمنين المقيمين الصلاة ، وذلك ليعلم أنّ المصلين كثير ، والمقيمين للصلوات قليل ، فأهل الغفلة يعملون الأعمال على الترويح ، ولا يذكرون يوم تعرض على اللّه ، فتقبل أم تردّ . وروي عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « إن منكم من يصلّي الصلاة فلا يكتب له من صلاته إلّا ثلثها أو ربعها أو خمسها أو سدسها ، حتى ذكر عشرها » . يعني أنه لا يكتب له من صلاته إلا ما عقل منها . وروي عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « من صلّى ركعتين مقبلا على اللّه بقلبه ، خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمّه » . وإنما عظم شأن صلاة العبد بإقبال العبد على اللّه ، فإذا لم يقبل على صلاته ولها « 2 » بحديث النفس ، كان بمنزلة من وقف باب ملك معتذرا من خطيئته وزلّته « 3 » ، فلمّا وصل إلى باب الملك قام بين يديه ، وأقبل عليه الملك ، فجعل الواقف يلتفت يمينا وشمالا ، فلم يقض الملك حاجته ، وإنما يقبل الملك عليه على قدر عنايته ، فكذلك الصلاة ، إذا دخل العبد فيها ولها عنها ، لا تقبل منه . واعلم أن مثل الصلاة كمثل وليمة اتخذها ملك ، وهيّأ فيها ألوانا من الأطعمة والأشربة لكلّ لون لذّة ، وفي كلّ لون منفعة ، ودعا الناس إليها ، فكذلك الصلاة دعاهم الربّ إليها ، وهيّأ لهم فيها أفعالا مختلفة ، وأذكارا متنوعة ، فتعبّدهم بها ليلذذهم بكلّ لون من العبودية ، فالأفعال كالأطعمة ، والأذكار كالأشربة . وقد قيل : إن في الصلاة اثني عشرة ألف خصلة ، ثم جمعت هذه الاثنتا عشرة ألفا في اثنتي عشرة خصلة ، فمن أراد أن يصلّي فلا بدّ أن يتعاهد هذه الاثنتي عشرة خصلة ، لتتم صلاته ، فستة قبل الدخول في الصلاة وستة فيها : أولها : العلم : لأنّ النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « عمل قليل في علم ، خير من عمل كثير في جهل » .
--> ( 1 ) سورة الماعون ، الآيتان : 4 ، 5 . ( 2 ) لها : من اللهو وهو الانشغال بالنفس والدنيا . ( 3 ) زلّته : ذنبه وخطأه .